جان لوئيس بوركهارت
202
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
جعلا يشربان ويقصفان فيه حتى مطلع الفجر . 9 أبريل - هلت علينا هذا الصباح طلعة المك حمزة . خرج من داره وسار في السهل ثم جلس على مصطبة من الحجر قرب أحد البيوت أمام متاعنا . وكان متجردا من ثيابه لشدة القيظ ، لا يلبس إلا وزرة مشدودة إلى حقويه ، وشعره ملطخ بالدهن ، وفي ركابه من الرقيق ستة أو ثمانية ، يحمل أحدهم قربة ماء صغيرة مصنوعة من الجلد السنارى صنعا بديعا ، ويحمل ثان سيفه ، وثالث درقته ، وهكذا ظهر جلالته في كامل أبهته وخيلائه . وريع لمظهره أصحابنا التجار ، وكانوا قد عللوا أنفسهم بأنه سيأذن لهم بالرحيل في الصباح الباكر ، ولكنهم أوجسوا الآن من شر ضريبة جديدة قد تفرض عليهم . ومضينا إليه جميعا فقبلنا يده ، ووقفنا بين يديه في خشوع واتضاع . وقال جلالته إنه مغتبط برؤيتنا ، وإنه صديق صدوق للتجار ، ولكنهم قد غدوا بخلاء مقترين . ثم أصر على أن نعطى ابنه هدية ، وتطلع إلى القافلة فإذا فيها حمار طيب فأمر ابنه أن يمتطيه . وعرض عليه صاحب الحمار ستة ريالات يفتديه بها ولكنه أبى ، وسيق الحمار إلى إسطبل المك ، ثم أذن لنا في الرحيل . وتشاء المصادفة أن يكون هذا الحمار هو الذي طويت على ظهره الصحراء . وكنت في أثناء الرحلة قد أدركت ما للحمير المصرية من سمعة طيبة في الأقطار الجنوبية ، حتى ليتهافت الناس لا سيما وجوههم على اقتنائها ، وكان حماري قد اشتهر في القافلة بصلابة عوده وعظم نشاطه ، فقدرت أنني لن أستطيع أن أدفع عنه جشع الأمراء والرؤساء ، لذلك قايضت عليه في الليلة السابقة لوصولنا بربر بحمار أصغر حجما وأقل صلابة ، وكان الحمار لأحد التجار الدراوبين ، وظفرت منه في هذه الصفقة بريال . ولست أشك في أنه كان يضحك من غفلتى بينه وبين نفسه ، ولم يدر بخلده أن الحمار قد يؤخذ منه عنوة وغصبا ، وكان يقدر أنه سيبيعه بعشرة ريالات أو اثنى عشر . واستطاع الرجل في بربر أن ينقذ الحمار من برائن المك نور الدين ، أما المك حمزة فكان صلبا لاتلين له قناة ، وندم الرجل على الصفقة ولات حين مندم ، وطالبنى في إلحاح برد حماره القديم ولكن العبابدة انحازوا إلى صفى ، بل إنهم امتدحونى - بيني وبينهم - لأنى ورطته في هذا المأزق .